عفيف الدين التلمساني

15

شرح مواقف النفري

ونعود فنقول من كان قربه حجابه فكيف يدركه الظاهر وهو أقرب إليه من نفسه ، ولست أقول ذلك مبالغة ، بل هكذا يراه أهله . وفي عبارة هذا التنزل تجوز في قوله : فلا يدركني قربه ، وتقديره فلا يدركني من قربه مني قرب يختص بالظاهر . قوله : ( ولا يهتدي إليّ وجوده ) . قلت : أي وجود من مقامه مني هو من حيث ظاهري ، وأولئك هم الذين يقيسون الغائب على الشاهد ، وسيأتي بيان ذلك عند شرح عنده يليق أن يذكر إن شاء اللّه تعالى . قوله : ( وأخفيت الباطن وأنا أخفى منه ) . قلت : إنما أخفي الباطن لتعلق العالم بالظاهر ، لأنه أول ما يتبادر إليه الإدراك ، وذلك هو ما يتعلق به الحواس وتفاصيل ذلك ، ومن هنا وجب على طالب الحقيقة الإعراض في السلوك عما يتعلق به الحس . ومعنى قوله : « وأنا أخفى منه » لأن الحقيقة ليس لها مقابل ، والحق تعالى من حيث هو باطن ومن حيث هو ظاهر لا يتغاير شهوده في حضرة جمعه ، فلا مقابل له وإن كان بين وصفية الظاهر والباطن تقابل ، وحضرة جمعه هي أحديته يصير الموصوف فيها عين وصفه في شهود الشاهد وذلك مقام قولهم : « من عرف اللّه كلّ لسانه » « 1 » ، وهناك مقام يليق فيه أن يقال : من عرف اللّه نطق لسانه . ومن نظمي فيما يشير إلى المقامين : وقل لحسك غب سكرا وذب طربا * فيها وقل لزوال العقل لا يزل واصمت إلى أن تراها منك ناطقة * فإن وجدت لسانا قائلا فقل وإنما كانت الحقيقة أخفى من الباطن والظاهر لجمعها إياهما ، وقد ورد عن بعض الفقراء خطاب فيما يتعلق بالحجابية الحاصلة بطريق الظهور ، وبطريق البطون ، وبطريق الجمع بينهما وارد وهو ظهر فنزهوه فاحتجب وبطن فشبهوه فانتقب ، وجمع فحيرهم حين استوعب .

--> ( 1 ) أورده الهروي في المصنوع بلفظ : « من عرف ربّه كلّ لسانه » [ 1 / 346 ] .